تشهد الضفة الغربية تصاعدًا غير مسبوق في الاعتداءات الإرهابية التي ينفذها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين، في ظلّ تساهل واسع من حكومة بنيامين نتنياهو وأجهزتها الأمنية، مع ما تصفه جهات إسرائيلية بأنه “جرائم قومية” آخذة في الاتساع، بفعل انفلات المستوطنين والغطاء السياسي الذي يوفره وزراء في الحكومة.
وتُظهر المعطيات الرسمية أن عام 2025 يسجّل زيادة حادة في حجم اعتداءات المستوطنين، مع عشرات الهجمات الإرهابية خلال الأسابيع الأخيرة فقط، فيما تشير بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية تصاعد حاد في هجمات المستوطنين خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، منذ بدء موسم قطف الزيتون، إذ وصلت إلى أكثر من 68 هجوما إرهابيا.
وبحسب المعطيات الرسمية، فإن عام 2025 بكامله يتّسم بارتفاع مستمر في “الجرائم القومية” ضد الفلسطينيين في الضفة. وسُجّل منذ منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نحو 50 اعتداء نفذه مستوطنون متطرفون، بينما تُظهر بيانات الأمم المتحدة، التي تشمل نطاقًا أوسع، أن عدد الهجمات في تشرين الأول/ أكتوبر وحده، قد بلغ 264 هجومًا، وهو الرقم الأعلى خلال عام كامل.
وتشمل الاعتداءات الأخيرة الاعتداء على إسرائيلي في قرية بورين حاول مساعدة فلسطينيين تصدوا لهجمات المستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال، وهجمات على قريتَي بيت ليد ودير شرف، تخللها حرق مبانٍ ومركبات، وضرب مدنيين.
وقال مصدر في الجيش الإسرائيلي للقناة 12، إن “الارتفاع في الجرائم القومية واضح جدًا في الميدان”، مشيرًا إلى أن “العنف المتزايد لا يسبب فقط معاناة للفلسطينيين، بل يضر أيضًا بالاستقرار الأمني، ويجبر الجيش على تخصيص قوات وموارد لمعالجته، بدل التركيز على المهام الأمنية الأخرى”.
وادّعى المصدر أن الجيش يعمل على “معالجة الظاهرة بصرامة”، زاعمًا أن هناك “تعليمات واضحة للجنود بمنع أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون”، مضيفًا أن الظاهرة تتطلّب “تعاونًا بين جميع أجهزة الدولة في مجالات التعليم والرعاية والشرطة والعقوبات”.
وأشارت القناة إلى أن رؤساء مجالس المستوطنات في شمال الضفة أصدروا بيانًا دانوا فيه أعمال العنف، لكنهم في الوقت نفسه رفضوا ما وصفوه بـ”التعميم ضد نصف مليون مستوطن”.
وتسعى الجهات الرسمية في إسرائيل، بما في ذلك مسؤولون في الحكومة والجيش والمجالس الاستيطانية، إلى التقليل من حجم الظاهرة، من خلال نسبها إلى “أقلية هامشية” لا تمثّل جمهور المستوطنين، وتضم مجموعة محدودة من الفتية من سكان المدن داخل الخط الأخضر.
وقال قادة المجالس الاستيطانية: “نحن نستهجن بشدة عنف المجموعة المعتادة التي تنتقل من مكان إلى آخر، وندعو الجيش والشرطة إلى التعامل معها بقوة، لكن لا يجوز التحريض ضد المستوطنين جميعهم”.
وبحسب تقرير القناة، يتوقّع أن تنتهي سنة 2025 بارتفاع بنسبة 25% في حجم هجمات المستوطنين، مقارنة بعام 2024، إذ سُجّل حتى الآن 704 حوادث، مقابل 675 العام الماضي، أي بمعدل يقارب 70 اعتداء شهريًا، واعتداءين يوميًا.
كما تشير معطيات الأمم المتحدة إلى أن وتيرة العنف الاستيطاني تصاعدت تدريجيًا، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأن عدد الهجمات المسجلة في عام 2025 حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر تجاوز مجموعها في عام 2024 بأكمله.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة، رُصدت زيادة بأكثر من 50% في اعتداءات المستوطنين، مقارنة بالسنوات السابقة. في المقابل، أظهرت بيانات وزارة الأمن ضعفًا شديدًا في تطبيق القانون ضد المعتدين.
فحتى منتصف آب/ أغسطس 2025، نُفذت 57 عملية اعتقال فقط على خلفية اعتداءات قومية، في حين لم يتجاوز عدد لوائح الاتهام 43 ملفًا حتى تاريخ 11 آب/ أغسطس. وبلغ العدد في 2024 40 لائحة اتهام فقط، ما يشير إلى معدّل ملاحقة متدنٍ للغاية، يسمح للمهاجمين بمواصلة اعتداءاتهم دون رادع.
وقال النائب غلعاد كريف، من حزب “الديمقراطيين”، إن “العدد المنخفض بشكل فاضح من الاعتقالات ولوائح الاتهام، يثبت بوضوح أن الشرطة وسائر أجهزة إنفاذ القانون، تغضّ الطرف عن الموجة الدراماتيكية من العنف القومي الذي يمارسه مستوطنون متطرفون”.
كما لفت التقرير إلى أن مناطق رام الله ونابلس والخليل وسلفيت والقدس الشرقية تتصدر خريطة العنف، إذ سُجّل في محافظة رام الله نحو 700 اعتداء منذ مطلع 2024 حتى أيلول/ سبتمبر 2025، تليها نابلس (530)، والخليل (489)، وسلفيت (199)، فالقدس الشرقية (158).
وقالت مصادر في أجهزة الأمن الإسرائيلية، إن استمرار موجة الاعتداءات الاستيطانية يعود إلى غياب القرار السياسي، مؤكدة أن “المسألة ليست مسألة إنفاذ قانون، بل سياسة”، مضيفة أن “وجود غطاء سياسي للمستوطنين يمنع التعامل الحازم مع الظاهرة”، محذّرة من أنها “قد تتصاعد وتؤدي إلى فقدان أرواح”.
تراجع التحقيقات بجرائم المستوطنين بنسبة 73%
ورغم تصاعد الاعتداءات، تكشف المعطيات عن تراجع موازٍ في تطبيق القانون بحق المستوطنين، ما يرسّخ بيئة إفلات كاملة من العقاب. وأظهرت معطيات عرضتها القناة 12 الإسرائيلية، مساء الأربعاء، تراجعًا دراماتيكيًا في عدد التحقيقات والملفات المفتوحة ضد المستوطنين في الضفة الغربية، مقابل تصاعد واضح في الاعتداءات على الفلسطينيين.
وبحسب القناة، سجّل عام 2024 انخفاضًا بنسبة 73% في فتح التحقيقات المتصلة بإرهاب المستوطنين، مقارنة بالعامين الماضيين. وخلال ثلاث سنوات فقط، هبط عدد التحقيقات من 235 ملفًا في 2022 إلى 150 في 2023، ثم إلى 60 فقط في 2024، ما يعكس انحدارًا مستمرًا في تعامل سلطات إنفاذ القانون مع هجمات المستوطنين.
كما أظهرت البيانات أن نسبة فتح التحقيقات تراجعت بـ58% خلال السنة الأخيرة و73% خلال السنتين الماضيتين. وشمل الانخفاض التحقيق في قضايا إطلاق النار على الفلسطينيين (تراجعت بنسبة 69%)، وحرق الممتلكات (تراجعت 63%)، وعمليات تخريب أخرى (تراجعت 62%).
وأوضحت القناة أن أقل من 10% فقط من التحقيقات في عام 2023 انتهت بتقديم لوائح اتهام، فيما لا تزال غالبية ملفات 2024 مفتوحة أو أُغلقت دون نتائج، ما يرسّخ غياب الردع ويُظهر الغطاء السياسي الذي تمنحه حكومة نتنياهو لإرهاب المستوطنين.
وخلال الأيام الماضية، نفّذ مستوطنون ملثمون سلسلة اعتداءات إرهابية في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، شملت إحراق منازل سكنية وشاحنات وممتلكات خاصة يملكها فلسطينيون، في تصعيد يواكب اتساع ما تصفه الأجهزة الأمنية بـ”الاستيطان الرعوي” في الضفة.
وأظهرت معطيات الأمم المتحدة ارتفاعًا حادًا في اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بلغت 264 هجومًا خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي فقط، وهو أعلى رقم شهري يُسجّل منذ نحو عقدين.
وقال نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، إن الاعتداءات التي رصدها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أدت إلى استشهاد فلسطينيين وتدمير ممتلكات مدنية، مشيرًا إلى أن إجمالي الاعتداءات المسجّلة منذ عام 2006، وصل إلى نحو 6900 حادثة، بينها نحو 1500 اعتداء خلال العام الجاري وحده.
ووفق بيانات الأمم المتحدة، أسفرت أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون عن تهجير 3200 فلسطيني من أراضيهم، واستشهاد وإصابة المئات، إلى جانب تدمير منازل وسيارات وأشجار زيتون تشكّل مصدر رزق لآلاف العائلات الفلسطينية.
كما وثّقت المنظمة استشهاد 42 طفلًا فلسطينيًا، جرّاء اعتداءات المستوطنين في الضفة، خلال هذا العام، أي ما يعادل واحدًا من كل خمسة شهداء فلسطينيين، فيما شدّدت الأمم المتحدة على أن إسرائيل تتحمّل المسؤولية القانونية بصفتها قوة احتلال، ودعتها إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي.
وتندرج هذه الاعتداءات ضمن موجة تصعيد إسرائيلية واسعة في الضفة الغربية المحتلة من الجيش والمستوطنين بدأت بالتزامن مع بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أعقاب هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
المكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان منظمة التحرير الفلسطينية