إعداد:جمانة أبو حليمة/صحيفة الدستور الاردنية
شاهد على الاحتلال
عيسى عايش: وُلدت في الهجرة في مغارة وعشت قسوة خيَم اللّجوء
في الخامس عشر من أيار من كل عام نخصّص مساحة لذاكرة النكبة الحية ولشهادات أشخاص عايشوها وما زالت قلوبهم تنبض بحب فلسطين، ولا زالت ذاكرتهم تحتفظ بتفاصيل جميلة ومهمة لتكتب كشهادات حية على نكبتهم وحقهم في العودة وتحديد المصير وحماية لحقهم في أرضهم التي أصبحت في غالبيتها حسب تسمية حكومة الاحتلال “أملاك غائبين”، غابوا عنها قسراً لا طوعاً جميعهم سردوا نفس الرواية مع اختلاف ببعض التفاصيل؛ خرجوا لهدنة أيام ولكنها استمرت لسنوات وعقود، منعوا من العودة، حلموا جميعهم خلالها بالرجوع الى بيوتهم التي تركوها على حالها ، بمونتها ودواجنها وحبوبها وحقولها وذهب النساء في الصناديق الخشبية والعسل في الجرار، والبيارات ومواسم القطاف، لم يأخذوا منها شيئاً معم والسبب أنهم عائدون . وهنا أستذكر ما كتبه زميلنا المرحوم القاص والكاتب خليل قنديل لهذه الحلقات قائلاً: “ظل الفلسطيني برغم ترحيله وتهجيره القسري منذ نكبة 48 مروراً بنكسة 67 أكبر بكثير من مساحة المخيم المقترح عليه، وظلت ذاكرة اللجوء الاول والنزوح الثاني تنشط باتجاه البوح لأصغر الاحفاد عن حادثة العدوان الاسرائيلي التي اقتلعت الفلسطيني من مكانه الاول «الوطن». وإذا كانت الشفاهية ورغبة النطق قد رافقت الفلسطيني لأكثر من نصف قرن مضى، فإن على الموثقين العودة لسماع الحكاية من اصحابها، ولكي تأخذ حادثة التهجير وما رافقها وضعها الصحيح في التاريخ. إذ أن الشفاهية التي ظلت تعتقل القضية الفلسطينية وتفاصيلها تحتاج منا الى اعادة اطلاقها كي تضيء على فجيعة التهجير الفلسطيني لتكشف عن ادق تفاصيل هذا العدوان. وهذه الحلقات اذ تفتح ملف «الشفاهية» الفلسطينية هنا على لسان شاهد عيان فإنها تأمل ان تنقذ بعض ادق تفاصيل احتلال فلسطين وتهجير اصحابها، وانقاذ الحكاية”.
وبهذه المناسبة التقيت أحد وجهاء مخيم البقعة الفلسطيني والذي وُلد بعد النكبة بعام، في مغارة اللُّجوء قبل الخيمة، عاش التهجير وقسوة الحياة لسنوات، حلاوة بعض أوقاتها رغم مرارتها، تلك الاوقات التي تقاسمتها عائلات وعاشت كل ظروفها سوية يداً بيد لتتخطى محنتها بانتظار مصير غامض بدون ملامح .
السيد عيسى محمود أحمد عايش من مواليد تل الصافي من قضاء الخليل في 9-12-1949 يحدثنا من قلب محب مشتاق لقريته: “وُلدت في هذه القرية الخالدة، المعروفة تاريخياً بأنها كانت أرض معركة تل أجنادين، تقع قريتي على احدى سفوح جبل الخليل تمتد من التل الى السهل، تحيط بها قرى عجور وزكريا ودير الذّبان وذكرين وبيت جبريل. وسميت تل الصافي بهذا الاسم لأنها تقع على تل وتمتد للسفح نزولا للسهل. كان أهلها يربون المواشي ويزرعون الحبوب، القرية مكتفية ذاتيا من ناحية غذائية.
وفيها عشائر كثيرة وحمايل وأنا من عشيرة البراهمية ومن العشائر الأخرى: أبو عفيفة، القواسمة، اللّحسة، آل قنديل، آل أبو الريش.
كان عدد سكان القرية في العام 1948 حوالي 1250 نسمة تجمعهم المودة والمحبة ولكل عشيرة حارة- كما كنا نسميها- (ديوان) يجتمعون فيها على حب الأرض وحب فلسطين كاملةً.
في طفولتي كنت اسمع عن مواسم كانت تقام في فلسطين ومن التي حضرتها النبي صالح والنبي موسى.
وفي قريتنا مقام الشيخ منجد ومقام الخضر وآثار كنعانية قديمة جداً وفيها أشهر عين ماء وهي عين الصافي وبئر ماء “الصافية” وتشرب منها كل القرية بالإضافة الى آبار تجمع من مياه الامطار. وكان فيها مدرسة للصف السابع مختلطة ذكور وإناث وكان فيها مسجد.
قبل النكبة كانت حياة الناس بسيطة ولا يخلو أي بيت الحلال الماعز والبقر والدواجن، وأشهر طبخات في بلدنا كانت المفتول وطبخة الرقاق وطبعاً الزلابية والجريشة والمشاط والمطبق.
وبالنسبة لعادات اجدادنا بلأعراس فقد كان العرس يمتد لأكثر من أسبوع ووقتها لم يكن هناك كهرباء وكانوا يشعلون النار ليضيؤوا على المهنئين، أجواء فرح، غناء، وسامر، هذا ما تمتاز به قرانا في قضاء الخليل، ويشاركنا في الفرح أيضا أناس من القرى المجاورة.
والميتم كذلك كان يمتد لعدة أيام والحداد يعم البلد لأشهر حفاظاً على مشاعر أهل المتوفى، وتشاركنا كذلك عائلات القرى المجاورة، وكان عندنا عادة أن تصبغ النساء شاشاتها (الغدقة) وأثوابها باللون الأسود أو الأزرق الغامق، وقد كانت تلبس النساء عادة “العراقية” “الوقاة”، وبهذه المناسبة سأعرج على بعض المسميات التراثية التي اندثرت لبعض الأشياء منها: المخدة: يستك، الفرشة: جودل، الغدقة: غطاء الرأس، العراقية، الوقاة حتى اللهجة تغيرت.
لم أكن قد ولدت في العام 1948، لكني سمعت وعرفت مما رواه اجدادنا وما كنت سمعته من أمي وأبي أن القرية احتلت أول ليلة في رمضان من العام 1948، وقت السحور، هوجمت القرية من قبل عصابات الاحتلال المسلحة، تمت مقاومتهم والاشتباك معهم من قبل الثوّار. استشهد العديد من أبناء قريتي في تلك الليلة ومنهم جدي والد أمي محمود حسن نوفل وشقيقه عبد المنعم نوفل وشقيقه عبد الحافظ نوفل وخالي أبو عياش نوفل وغيرهم كثر، لقد خرج أهل قريتي لا يحملون شيئاً على أمل العودة بعد أيام قليلة.
أهل قريتنا هاجروا إلى قرية دير الدبان المجاورة ثم إلى عجّور، ثم إلى مدينة الخليل نفسها، وفي مدينة الخليل خرج قسم منهم إلى مخيم عين السلطان وعقبة جبر في اريحا وقسم الى مخيم الفوّار وبعضهم استقر في بعض القرى مثل ترقوميا وباتولا.
وكما عرفت فيما بعد عن الخروج من بلدنا أنه لم يأخذ آهل البلد وأهلي أي شيء معهم ولا حتى ملابسهم على أمل العودة إلى بيوتهم بعد كم يوم وأيضا أن كل عائلات القرية غادرت ما عدا شخص واحد من آل العزة اسمه إسماعيل خليل وما زال أولاده واحفاده موجودين في تل الصافي واما البقية فلم يسمح لهم بالرجوع وظلوا لاجئين وكان هذا هو الهدف من قبل حكومة الاحتلال حينها : تفريغ الأرض بالقوة وبالترهيب وبالكذب والوعود بالعودة . العودة طالت لكن سيبقى الأمل، أمل العودة الى فلسطين ونزرع ذلك في أطفالنا.
رحلة هجرة طويلة وصعبة
كانت الهجرة قاسية، عاش الناس بالمغر، وأنا ولدت في مغارة في مدينة الخليل في وقت الثلجة الكبرى في العام 1949، عاش أهلي في المغارة مدة 9 شهور وثم توجهوا الى مخيم الفوّار.
الناس تفرقت، كل عائلة ذهبت الى مدينة وقرية قسم في اريحا وقسم في الخليل وقسم توجهوا الى شرقي النهر الى عمّان
بعد المغارة عشنا في خيام في مخيم الفوّار حتى العام 1956 حيث بدأت وكالة الغوث ” الأنوروا” ببناء وحدات سكنية للاجئين في مخيم العروب ودهيشة والفوّار والوحدات في عمّان، وكانت الوكالة تشرف عليها ولا زالت إلى الآن، وكانت الوكالة في البداية توزع المؤن والكاز على اللاجئين.
سكنّا في وحدة في الفوّار ودرست أنا الابتدائية من الصف الأول لحد الأول الاعدادي هناك، ثم هاجرنا الى مخيم عقبة جبر في اريحا وبقينا فيه الى العام 1967، رغم قسوة الحياة هناك إلا أن علاقات الناس كانت طيبة وجميلة، وأواصر المحبة والعادات والتقاليد رغم الفقر، كنا نشعر بالبركة والخير في كل شيء. حتى كانت ألعابنا جميلة، وقد احتلت الضفة الغربية والتي كانت جزءً من الأردن في هذا العام، وعندها هاجرنا من عقبة جبر الى عمّان.
عندما هاجرنا إلى عمّان كان مخيم الوحدات مبني على شكل وحدات، سكنّا في المدراس في الوحدات لشهور ثم تم ترحيلنا إلى الغور حيث أقيمت مخيمات في الشونة، الكرامة، معدّي، استوعبت الكثير من النازحين من الضفة الغربية، وأكملت دراستي لصف التوجيهي في مدرسة الشونة الجنوبية، لكن قبل أن نكمل العام الدراسي تم ترحيلنا مرة أخرى بسبب اعتداءات اليهود اليومية على المخيمات هناك بالمدفعية لترهيب الناس وترحيلهم، فأتينا إلى مخيم البقعة هنا في شهر 1 سنة 1968. وبعدها حدثت معركة الكرامة 21/03/1968 لذلك لم نستطع العودة إلى المدرسة وأكملت دراستي في المنزل، وقدمت امتحان التوجيهية العامة في مدرسة الأشرفية في عمّان.
وبعد ذلك دخلت معهد معلمين حوارة في إربد وتخرجت منه سنة 1970 وتم تعييني في مدرسة الكفرين الإعدادية في الشونة الجنوبية حتى عام 1978 ثم تمت اعارتي إلى السعودية لمدة 5 سنوات وعدت سنة 1983 وعينت في مدرسة صافوط الثانوية، ثم أكملت دراستي في الجامعة الأردنية وتخرجت سنة 1989، وبقيت مستمراً في عملي في مدرسة صافوط حتى أحلت نفسي للتقاعد عام 2003، ولقد تزوجت في العام 1972 وكانت زوجتي من بلدة التينة من قضاء الرملة، وأنجبت 10 ذكور و4 بنات.
لو ملكوني العالم لا أبدّله بذرة تراب من فلسطين
ان العودة حلم لكل فلسطيني وسنبقى نزرعه في أبنائنا … فلسطين في القلب … فلسطين درة الأرض ولؤلؤتها … لن ننساها ما دمنا نتنفس وسنعود إن شاء الله إليها. الوطن غالي وطن السلام وطن الأنبياء. وحتى فترة اللجوء والإقامة في الخيام رغم أمها وقسوتها لن تنساها ذاكرتنا ما حيينا. فمثلاً أذكر عندما سكنا في مخيم الفوّار لمدة 6 سنوات في خيمة، كانت المنطقة مشهورة بالثلوج في فصل الشتاء، وكان شتائها بارد وطويل، الموقف أننا كنا عندما تتراكم الثلوج نبقى طيلة الوقت ندفش الخيام بأرجلنا بفرح وضحك لنزيل الثلج عنها، ولم يكن لدينا أي وسيلة للتدفئة سوى نار شجرة النتش، كنا نذهب للمدرسة حفاة وكنا نفرح عندما نستلم بكجة من الوكالة ونجد فيها بنطلون أو معطف لنرتديه، وأكثر ما كنا نعانيه في شتاء المخيم الطين والوحل نظراً لأن أرضه زراعية، فقد كانت الجزمة تحمل طيناً أثقل من وزن الطفل.
أما الصيف فلم يكن أفضل في الخيام، كان سيئاً أيضاً وهذا ما عانيناه في أول سنوات سكننا في مخيم البقعة عام 1968 إلى حوالي عام 1971 فقد أقمنا في خيام الى حين اقامت لنا “الأنروا” وحدات مبنية من الإسبيست.
وكذلك مما لن تنساه ذاكرة طفولتنا البراغيث فقد كانت البقعة في بداياتها حقل من البراغيث، أذكر كنا نصحوا من النوم وقد بات قمصاننا وملابسنا من ناحية الرقبة حمراء من الدم من كثرة ما تقرصنا البراغيث ونحن نيام حيث كانت أعدادها مهولة، ومن المضحك ان الناس كانوا يعرفون أطفال مخيم البقعة من قباتهم الحمراء.
عانينا من كثرة التفاصيل الصعبة والمؤلمة في حياة اللجوء اليومية، كانت حياتنا صعبة.والآن ومن بيتي هذا الذي ما زلت أقيم فيه في مخيم البقعة أشعر بالعزة والفخر لقيادتنا الهاشمية ونقول الأردن شقيقة فلسطين وأقول : في الأردن هنا فلسطينيون من أجل فلسطين وفي فلسطين فلسطينيون من أجل الأردن … نحن شعب واحد لن يفرقنا الاحتلال.
المكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان منظمة التحرير الفلسطينية