تلقى مشروع «التلفريك» الاستيطاني في مدينة القدس المحتلة ضربة جديدة عقب انسحاب شركة أجنبية خامسة من خطة البناء التي تربط غرب المدينة بشرقها. ويهدد هذا المشروع الاستيطاني بالاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي وحقوق الملكية لعشرات العائلات الفلسطينية القاطنة على طول المسار المخطط له.
أفادت مصادر بأن شركة «ROPES» الإيطالية، وهي استشارية هندسية متخصصة في مشاريع التلفريك، رفضت تقديم خدماتها للمشروع رغم محاولات سلطات الاحتلال منحها عقداً دون مناقصة عامة. وجاء هذا التحرك من قبل هيئة تطوير القدس التابعة للاحتلال قبيل الانتخابات الإسرائيلية، في محاولة لتحريك المشروع الذي توقف لسنوات.
برر الرئيس التنفيذي للشركة الإيطالية الانسحاب بوجود التزامات أخرى في الهند، إلا أن هذا التراجع يأتي في سياق سلسلة انسحابات لشركات دولية تخشى التبعات القانونية والسياسية. وتصر سلطات الاحتلال من جانبها على أن المشروع يسير وفق الجداول الزمنية المحددة رغم هذه العقبات المتتالية.
يمتد مسار التلفريك المقترح على طول 1.4 كيلومتر، ويهدف لربط القدس الغربية بمجمع سياحي ضخم تروج له منظمة «إلعاد» الاستيطانية. وتسعى هذه المنظمة من خلال المشروع إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأحياء الفلسطينية في القدس المحتلة وتغيير طابعها التاريخي.
صادقت حكومة الاحتلال على المشروع في عام 2019، وحصل على تأييد المحكمة العليا في عام 2022، مما يشرعن عملية قضم الأراضي في البلدة القديمة. وتعتبر هذه المناطق أراضٍ محتلة بموجب القانون الدولي، حيث يرفض المجتمع الدولي إجراءات الضم التي بدأت منذ عام 1967.
أشارت مصادر حقوقية إلى أن سلطات الاحتلال سرعت وتيرة العمل في المشروع مؤخراً، خاصة بعد قرارات دولية أكدت عدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. ووصف مسؤولون في بلدية الاحتلال المشروع بأنه أداة سياسية تهدف لإيصال رسالة للزوار حول هوية «المالك الحقيقي» للمدينة.
حذرت منظمات مختصة بالآثار من أن المشروع يهدد المناطق السكنية الفلسطينية والمشهد التاريخي العريق لقلب القدس المحتلة. وأوضحت مصادر أن الهدف الرئيسي يتجاوز الجانب السياحي ليصل إلى ترسيخ سيطرة المستوطنين وتهجير الفلسطينيين من الحوض التاريخي للمدينة.
تتزامن هذه المخططات مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وجهودهم المستمرة للاستيلاء على العقارات والأراضي في مختلف أنحاء القدس المحتلة. وتعمل سلطات الاحتلال على إعادة تشكيل المشهد الثقافي للمدينة بما يخدم الرواية الاستيطانية ويمحو الهوية العربية للمكان.
شهد المشروع انسحابات سابقة لأربع شركات أجنبية، ثلاث منها فرنسية وواحدة سويسرية، بسبب الحساسية السياسية والقانونية المرتبطة بالعمل في أراضٍ محتلة. وكانت الحكومة الفرنسية قد حثت شركاتها في وقت سابق على عدم الانخراط في مشاريع تكرس الاستيطان في القدس.
من بين الشركات المنسحبة شركة «CNA» الفرنسية وشركة «Histec Engineering» السويسرية، مما يعكس حجم الضغوط الدولية والمخاوف من ملاحقات قانونية. ولم تعلق هيئة تطوير القدس بشكل مباشر على هذه الانسحابات، مكتفية بالقول إن العطاءات ستكون جاهزة للنشر قريباً.
يثير المشروع احتجاجات واسعة من قبل أهالي حي سلوان، الذين يحذرون من أن عربات التلفريك ستمر على ارتفاع أمتار قليلة فوق منازلهم. ويؤكد السكان أن هذا المخطط يهدف للتضييق عليهم ودفعهم لترك منازلهم لصالح الجمعيات الاستيطانية التي تنشط في المنطقة.
أكد خبراء في الآثار أن التلفريك يتعارض مع المبادئ التاريخية التي تمنع إقامة بنى تحتية ضخمة تشوه محيط البلدة القديمة. وانتقد الخبراء تعاون سلطة الطبيعة والمتنزهات التابعة للاحتلال مع المشروع، معتبرين أنها تخلت عن دورها المهني لصالح الأجندات السياسية.
يهدد المشروع بشكل مباشر نحو 54 منزلاً فلسطينياً في حي وادي حلوة بسلوان، حيث أصدرت سلطات الاحتلال إشعارات بمصادرة نحو 8.7 دونمات. وستُستخدم هذه الأراضي لبناء أعمدة ضخمة لدعم مسار التلفريك، مما يؤدي لتدمير ممتلكات خاصة وتشريد عائلات.
تأتي هذه التطورات في ظل تصعيد الاحتلال لعمليات هدم المنازل الفلسطينية بحجة عدم الترخيص، تزامناً مع العدوان المستمر على قطاع غزة. وتستغل الجمعيات الاستيطانية هذه الظروف لتسريع وتيرة الاستيلاء على العقارات في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية.


