كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية معطيات رسمية أعدّها الجيش الإسرائيلي، تكشف صورة مقلقة حول تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، منذ اندلاع الحرب على غزة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2023، وسط بيئة أمنية وسياسية أتاحت لهذا العنف أن يتحول إلى ظاهرة متفاقمة وممنهجة.
وتُظهر الوثائق العسكرية أن المستوطنين نفذوا منذ بداية الحرب ما مجموعه 1720 اعتداءً، في حوادث شملت هجمات جسدية مباشرة، وتخريب ممتلكات، وقطع طرق، واعتداءات على أراضٍ زراعية، إلى جانب استخدام الحجارة والزجاجات الحارقة والقنابل الصوتية. وتشير المعطيات إلى أن جنودًا إسرائيليين شاركوا في بعض هذه الاعتداءات أو وفروا لها الغطاء، في وقت واصلت فيه قوات الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات قمع واسعة في مدن وبلدات الضفة الغربية، أسفرت عن مقتل وإصابة مئات الفلسطينيين.
وبحسب المعطيات التي نشرتها الصحيفة، شكّل العام 2025 ذروة هذا التصعيد، إذ سُجلت خلاله 845 اعتداءً نفذها مستوطنون، أدت إلى إصابة 200 فلسطيني ومقتل أربعة آخرين. ويمثل هذا الرقم ارتفاعًا لافتًا مقارنة بالعام 2024، الذي شهد 675 اعتداءً، أسفر عن إصابة 149 فلسطينيًا ومقتل 6 آخرين.
وتعكس المعطيات نمطًا تصاعديًا واضحًا داخل العام الواحد، إذ نُفذ في النصف الأول من 2024، 317 اعتداءً، مقابل 358 في النصف الثاني. أما في 2025، فقد قفز العدد في النصف الأول إلى 440 اعتداءً، بزيادة قاربت 40% مقارنة بالفترة الموازية، قبل أن يُسجل 405 اعتداءات إضافية في النصف الثاني من العام.
ويبرز شهر حزيران/ يونيو من العام 2025 كنقطة مفصلية، إذ وثّق الجيش الإسرائيلي خلاله 100 اعتداء نفذها مستوطنون، مقابل 67 اعتداءً في الشهر نفسه من العام السابق، ما يعكس زيادة حادة خلال عام واحد فقط.
وتكشف المعطيات أن الاعتداءات لم تقتصر على شكل واحد، بل توزعت بين أكثر من ألف اعتداء “اعتيادي” شملت الضرب والتخريب وعرقلة حركة الفلسطينيين، إلى جانب 157 حادثة وُصفت بأنها بالغة الخطورة، تضمنت إحراق منازل ومركبات، وتدنيس أماكن مقدسة، وتنفيذ عمليات قتل ميداني، فضلًا عن ثمانية وسبعين اعتداءً استهدفت المزروعات وقطع الأشجار المثمرة.
وجغرافيًا، احتلت منطقة نابلس المرتبة الأولى من حيث كثافة الاعتداءات خلال العام 2025، بنسبة قاربت الثلث من مجمل الحوادث، تلتها الخليل ورام الله بنسبة متساوية تقريبًا. وفي شهر يونيو وحده، سُجلت في منطقة رام الله ثمانية وثلاثون اعتداءً، شكّلت أكثر من ثلث مجموع الاعتداءات في ذلك الشهر.
ويربط الجيش الإسرائيلي هذا التصاعد بتوسع غير مسبوق في إقامة البؤر الاستيطانية العشوائية، “المعروفة باسم المزارع”، والتي تحولت، وفق المعطيات، إلى قواعد انطلاق للمجموعات التي تنفذ هذه الاعتداءات. ومنذ بداية الحرب، أُقيمت قرابة تسعين بؤرة جديدة في الضفة الغربية، ما رفع عددها الإجمالي من 30 إلى 120 بؤرة، بإشراف مباشر من وزير المالية والوزير في وزارة الجيش بتسلئيل سموتريتش.
ونقلت الصحيفة عن ضابط إسرائيلي رفيع قوله إن “من يتجاهل إقامة عشرات المزارع الاستيطانية الجديدة منذ بداية الحرب، لا يمكنه الادعاء بالصدمة من تصاعد الاحتكاك والعنف القومي”، في إقرار ضمني بالعلاقة بين التوسع الاستيطاني والانفجار الميداني.
ورغم أن الجيش الإسرائيلي نفسه يواصل عملياته الدموية في الضفة الغربية، إلا أن ضباطًا داخله “يوجهون انتقادات حادة للشرطة وجهاز المخابرات الإسرائيلية الشاباك، متهمين إياهما بالفشل في استخدام أدوات ردع فعالة ضد المستوطنين”. وقال ضابط كبير إن “الفجوة بين خطورة الظاهرة وبين مستوى التعامل معها على الأرض تتسع بشكل مقلق”، محذرًا من أن هذا الواقع لا يهدد الفلسطينيين فقط، بل ينعكس سلبًا على جاهزية الجيش الإسرائيلي وقدرته العملياتية، ويدفع المنطقة نحو احتمالات تصعيد أوسع.
وتشير معطيات الجيش إلى أن المستوطنين نفذوا منذ بداية الحرب أكثر من مئة اعتداء ضد قوات الجيش نفسها، من بينها 63 اعتداء في العام 2025، بزيادة بلغت عشرة في المئة مقارنة بالعام الذي سبقه، “من دون أن ينجح الجيش في تفسير أو تبرير عجزه عن كبح هذه الظاهرة”.
ويعترف ضباط في الجيش الإسرائيلي بأن هذه الاعتداءات تنفذها مجموعات منظمة وواسعة، تحظى بدعم مباشر من مسؤولين سياسيين وناشطين يمينيين بارزين. وفي هذا السياق، أعلن وزير الجيش يسرائيل كاتس، فور توليه منصبه، إلغاء الاعتقال الإداري بحق المستوطنين المسلحين، فيما يواصل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير توجيه الشرطة بعدم اعتقالهم أو التحقيق معهم، وهو ما تعتبره معطيات الجيش نفسه غطاءً حكوميًا صريحًا لاستمرار تصاعد اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
المكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان منظمة التحرير الفلسطينية