بنيامين نتنياهو وأركان حكمه في دولة الاحتلال ، اعتبرها فرصة يمكن استغلالها في معركة البقاء السياسي على ابواب انتخابات الكنيست الاسرائيلي ، السادس والعشرين ، بعد اربع سنوات في الحكم دون انقطاع ، شن فيها حروبا وحشية على اكثر من جبهة وارتكب خلالها جرائم أهلته للملاحقة كمجرم حرب يجب ان يدفع الثمن على جرائمه . عملية الخليل ، التي استهدفت جنودا على حاجز ” فرش الهوى” العسكري عند المدخل الشمالي الغربي لمدينة الخليل، ليست إخفاقا أمنيا في حساباته ، بل فرصته الأخيرة ، من بين فرص كثيرة للبقاء في المشهد السياسي الاسرائيلي . وللعلم فإن الحاجز العسكري المذكور هو في نظر مواطني مدينة الخليل من أسوأ الحواجز في المحافظة ، حيث يتعرض فيه المواطنون لعمليات تفتيش وإذلال معقدة ، وهو جزء من شبكة أوسع تضم 221 عائقاً وحاجزاً عسكرياً تقطع أوصال محافظة الخليل وحدها من بين نحو 942 عائقاً في عموم الضفة الغربية، حولت المدن والبلدات إلى كانتونات معزولة تفصل بينها البوابات الحديدية والسواتر الترابية والأسمنتية .
ردا على تلك العملية يوم الجمعة الماضي ، أطلق نتنمياهو ووزير جيشه كاتس لقوات الاحتلال عدوانا على مدينة الخليل وسط إغلاق الطرق والمداخل ومداهمة المنازل وهدم المباني والمنشآت التجارية وإجبار مئات العائلات على إخلاء منازلها قسرا، في عملية عسكرية أعلن الاحتلال أنها قد تستمر عدة أيام. قوات الاحتلال دعت ، منذ بدء عدوانها على المدينة ، يوم الجمعة الماضي ، نحو 1500 مواطن من قرابة 250 عائلة إلى إخلاء منازلهم في منطقتي دير بحة والجلدة، وسط تقديرات تشير إلى وجود مخطط لتهجير نحو 2500 مواطن إضافي من المنطقتين ، اللتين تضمان قرابة 500 عائلة وتمتدان على مساحة تقارب 350 دونماً .
هذا كان يحدث كذلك في ” الرايخ الثالث ” ضد الاحياء اليهودية في وارسو وفي غيرها . أوجه الشبه التاريخية في استخدام سياسات العزل وإغلاق المداخل ونقاط التفتيش للتحكم في حركة السكان وإدارتها بشكل صارم كانت من المواضيع الحساسة في النقاشات السياسية والحقوقية المعاصرة . في الرايخ الثالث تم استخدام نظام عزل صارم وممنهج ضد السكان اليهود ولا سيما في غيتو وارسو الذي أقيم عام 1940، فقد تميزت تلك السياسة بالإغلاق التام والجدران ، حيث تم بناء جدران وأسوار عالية تحيط بالحي لعزل السكان تماماً عن محيطهم الخارجي وكانت المداخل والمخارج محروسة بنقاط تفتيش أمنية مشددة تمنع الدخول أو الخروج إلا بتصاريح عمل خاصة ونادرة جداً ، لإحكام السيطرة الديمغرافية الكاملة كتمهيد لعمليات الترحيل والإبادة اللاحقة. وفي هذا المجال تُشير العديد من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية (مثل أمنستي، وهيومن رايتس ووتش، وبتسيلم) في تقاريرها إلى أن استخدام البوابات الحديدية، والمكعبات الأسمنتية، ونظام التصاريح، والحواجز العسكرية في الضفة الغربية يُمثل أدوات للسيطرة الجماعية وتقييد حرية الحركة مما يؤدي إلى خنق الحياة اليومية والاقتصادية للفلسطينيين وتحويل المدن إلى معازل منفصلة تمهيدا لعمليات التهجير وما يرافقها .
عديد الجمعيات الحقوقية بدأت تحركها في مواجهة هذه الإجراءات الإسرائيلية، ومنها ” جمعية حقوق المواطن في اسرائيل ” ، التي توجهت بشكل عاجل إلى الجيش الإسرائيلي، تطالبه بوقف التهجير القسري لأهالي الخليل، وضمان عودتهم الفورية والآمنة إلى منازلهم، ورفع الحصار المفروض على المدينة والبلدات المحيطة بها، ووقف هدم المنازل والمحال التجارية. وفي توجهها إلى الجيش، اعلنت هذه الجمعية أن القوات الإسرائيلية تنفذ حملة مداهمات وتفتيش طالت مئات المنازل، إلى جانب الاعتقالات والاستيلاء على منازل وتحويلها إلى مواقع عسكرية . وأشارت في هذا الصدد الى تصريحات عدد من الوزراء والمسؤوليين الاسرائيليين ومنهم الوزير بتسلئيل سموتريتش ، الذي أعلن أن عمليات الهدم تأتي في إطار “تعزيز الردع وتدفيع الثمن”، فيما تحدث رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الجيس يسرائيل كاتس خلال زيارة ميدانية لموقع عملية إطلاق النار عن عزم حكومتهما تطبيق “نموذج المخيمات الهجومي”، داخل أحياء سكنية في المدينة عبر إخلاء السكان، واقتحام وتفتيش المنازل، وتدمير ما وصفاه بـ”البنية التحتية للإرهاب”، مشيرين إلى الجاهزية لتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق لم تشهد الضفة الغربية، مثيلا لها منذ العام 1967 .
استهداف المنازل والمنشآت المدنية وتهديد الأحياء السكنية بالهدم، بذريعة الرد على حدث أمني، لا يمكن تبريره باعتباره إجراءً مشروعاً، ولا يجوز تحويل المدنيين وعائلاتهم إلى أهداف للعقاب بسبب أفعال لم يرتكبوها وهي معاقبة السكان المدنيين جماعياً ومحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني ، فتدمير المنازل والممتلكات المدنية في الأراضي المحتلة يخضع لقيود صارمة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر تدمير ممتلكات الأشخاص المحميين ، إلا في الحالات التي تقتضيها الضرورة العسكرية المطلقة. كما أن العقوبات الجماعية محظورة صراحة بموجب المادة 33 من الاتفاقية.
هنا ، وفي ظل انعدام التكافؤ والفرص بين دولة ، تقود عصابة مجرمة ، كعصابة نتنياهو – كاتس – سموتريتش وبن غفير وجيش مدجج بالسلاح وبين مواطنين مدنيين عزل لا يملكون حتى فرصة للإعتراض على هذه الاجراءات الاسرائيلية ، تصبح حمايتهم واجبا قانونيا وأخلاقيا وإنسانيا للمجتمع الدولي ، بدءا بمنظمة الامم المتحدة ، مرورا بالدول ، التي تحترم القانون الدولي ، وانتهاء بالمنظمات والمؤسسات الحقوقية المحلية والاقليمية والدولية ، بالتدخل لوقف عمليات هدم المنازل والمنشآت المدنية الفلسطينية في مدينة الخليل وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة ووقف إجراءات العقاب الجماعي والتهجير القسري، وضمان حماية السكان المدنيين وممتلكاتهم. فالتحرك العاجل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ، بشكل خاص ، لاتخاذ خطوات عملية توقف هذه الانتهاكات للقانون الدولي ومساءلة المسؤولين عنها وفتح تحقيقات مستقلة في العمليات المرتبطة بها، وضمان محاسبة المسؤولين وفقاً للقانون الدولي. إن توفير الحماية والمساعدة الإنسانية للعائلات المتضررة، وضمان حقها في السكن الآمن واستعادة ممتلكاتها والتعويض عن الأضرار التي لحقت بها هي من المهمات العاجلة ، فحماية المدنيين ليست خياراً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي. والصمت أمام هدم البيوت وتهجير أصحابها ينذر بكوارث يعتبر التعايش معها مساهمة في إفلات المسؤولين عنها من المحاسبة والعقاب .



