الأحد، 25 أكتوبر 2026

122 وحدة استيطانية في الشيخ جراح.. مخطط لفصل شمالي القدس عن بلدتها القديمة

نشر: 25 أكتوبر، 2026
لم تعد المخططات الاستيطانية في القدس المحتلة تقتصر على إقامة وحدات سكنية جديدة، بل تمتد تداعياتها إلى إعادة تشكيل جغرافية المدينة وعزل أحيائها الفلسطينية عن بعضها البعض، بما يهدد الوجود الفلسطيني في محيط المسجد الأقصى المبارك.
ويبرز مشروع إقامة 122 وحدة استيطانية في منطقة كرم المفتي بحي الشيخ جراح شمالي القدس، بوصفه خطوة تستهدف محاصرة الأحياء المقدسية وعزل شمالي القدس عن بلدتها القديمة ومحيطها الجنوبي، في مسعى لفرض واقع استيطاني جديد.
ويستهدف المشروع الجديد، الذي تقف وراءه حركة “أمانا”، إحدى أبرز المنظمات الاستيطانية المسؤولة عن إقامة المستوطنات في الضفة الغربية، موقع فندق شبرد التاريخي في الجزء الشمالي الشرقي من حي الشيخ جراح، على مساحة تُقدّر بنحو 5.8 دونمات.
وبحسب جمعية “عير عميم”، المختصة بشؤون القدس، فإن هذا يُعد أول مشروع استيطاني تدفع به الحركة الاستيطانية في القدس، بعد عقود من نشاطها في توسيع الاستيطان بالضفة الغربية.
تفاصيل المخطط
الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب يقول إن المخطط الاستيطاني الجديد في حي الشبخ جراح يأتي ضمن محاولات سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية تغيير هوية المدينة وفرض وقائع تهويدية على أرضها، عبر تجزئة الأحياء الفلسطينية ومحاصرتها بالمستوطنات.
ويوضح أبو دياب، في حديث خاص لوكالة “صفا”، أن منطقة كرم المفتي تضم معلمًا تاريخيًا فلسطينيًا يتمثل في فندق المفتي، الذي شُيّد في عشرينيات القرن الماضي، قبل أن تنتقل ملكيته عام 2011، وتُقام في المنطقة لاحقًا بعض الوحدات الاستيطانية، فيما يجري حاليًا الدفع بمخطط جديد لبناء 122 وحدة استيطانية.
ويبيّن أن أهمية المنطقة تنبع من موقعها شمالي البلدة القديمة، وقربها من الجزء الغربي من القدس، مبينًا أن المخطط يتضمن إقامة مبانٍ سكنية يصل ارتفاعها إلى 12 طابقًا، تضم 122 وحدة استيطانية.
ولا يزال المخطط في مراحله الأولى، إذ لم يُعرض بعد على “لجنة التخطيط والبناء المحلية” الإسرائيلية في القدس، ومن المقرر عقد أول جلسة لبحثه في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ويستهدف المخطط، وفقًا للباحث المقدسي، فصل شمال المدينة عن وسطها وبلدتها القديمة وجنوبها، من خلال إقامة مزيد من الوحدات الاستيطانية على خطوط التماس مع الأحياء الفلسطينية.
ويضيف أن المشروع يرتبط بالمستوطنات القائمة في منطقة جبل المشارف والتلة الفرنسية ومحيط الجامعة العبرية، بما يسهم في تجزئة الأحياء الفلسطينية، والحد من التواصل الجغرافي بينها، وإحاطة البلدة القديمة بحزام من المستوطنات، إلى جانب تغيير التركيبة السكانية عبر زيادة أعداد المستوطنين.
ولا يقتصر استهداف منطقة كرم المفتي على السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى المعالم التاريخية والسياسية الفلسطينية في القدس؛ إذ يشكّل الفندق والقصر المرتبط به جزءًا من التاريخ المقدسي المعاصر، لارتباطهما بالمفتي أمين الحسيني، الذي شُيّد المكان في عهده، قبل أن تنفيه سلطات الانتداب البريطاني إلى بيروت.
هوية القدس
ويؤكد أبو دياب أن المخطط يأتي ضمن تصور أوسع لإحاطة البلدة القديمة بأحزمة استيطانية، من خلال ربط المستوطنات في شمال القدس بمشروعات استيطانية في الجهة الشرقية، بما يعزز السيطرة على الأراضي الفلسطينية ويحاصر التجمعات السكانية ويحد من توسعها، ويسهّل السيطرة عليها.
ويشير إلى أن المنطقة تضم عددًا من مؤسسات الاحتلال الرسمية والأمنية، بينها وزارات ومحاكم ومقار للشرطة وقيادة “حرس الحدود”، إلى جانب مستوطنة ومرافق تابعة للجامعة العبرية، ما يزيد من أهميتها في المخططات الرامية إلى تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي للمدينة.
ويحذّر من أن إقامة مزيد من الوحدات الاستيطانية في حي الشيخ جراح من شأنها تشديد القيود على حركة الفلسطينيين بين شمالي القدس والبلدة القديمة والمسجد الأقصى، ضمن محاولات إعادة تشكيل المشهد الجغرافي للمدينة وتغيير هويتها.
ووفق المختص في شؤون القدس، فقد طُرحت منذ بداية العام الجاري وحتى الآن مخططات لإقامة أكثر من 15 ألف وحدة استيطانية في القدس، جرت المصادقة على عدد منها، فيما بدأ العمل فعليًا في بناء وحدات أخرى.
وبحسب جمعية “عير عميم”، تُعد حركة “أمانا” من أبرز المنظمات الاستيطانية الإسرائيلية، إذ تتولى تمويل إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية في الضفة الغربية والتخطيط لها ودعمها، كما تحظى بتمويل حكومي وتعمل بتعاون وثيق مع سلطات الاحتلال.
وأشارت إلى أن حركة “أمانا” استولت، من خلال هذه البؤر الاستيطانية، على نحو مليون دونم من أراضي المنطقة المصنفة (ج) في الضفة الغربية، كما أسهمت أنشطتها في تهجير مزارعين ورعاة وتجمعات فلسطينية من أراضيهم.
وقال الباحث في جمعية “عير عميم” أفيق تترسكي: “ينضم مخطط أمانا الجديد إلى سلسلة من المشاريع التي تدفع بها جهات حكومية إسرائيلية، من بينها وزارة البناء والإسكان وسلطة تطوير القدس، لبناء آلاف الوحدات السكنية المخصصة للمستوطنين، بدلًا من تلبية احتياجات السكان الفلسطينيين في الشيخ جراح”.
واعتبر تعدد هذه المخططات وتنوع الجهات الحكومية والجمعيات الاستيطانية التي تقف وراءها يكشف حجم الجهود الإسرائيلية الممنهجة لتحويل الشيخ جراح من حي فلسطيني إلى مستوطنة