لم تكن محاولات الاحتلال الإسرائيلي لإفراغ منطقة الخان الأحمر شرق القدس المحتلة مجرد إجراءات إدارية، بل وصلت إلى حد تقديم إغراءات مالية ضخمة وعروض بمنح جنسيات أجنبية للأهالي. ويروي المواطن عيد خميس جهالين، أحد وجهاء المنطقة، تفاصيل استدعائه لمقابلة ضباط إسرائيليين عرضوا عليه ملايين الدولارات مقابل التوقيع على إخلاء التجمعات البدوية، وهو ما جوبه برفض قاطع استند إلى إرث خمسة أجيال سكنت هذه الأرض.
وفي تطور قانوني خطير، كشفت مصادر في محافظة القدس عن إيداع سلطات الاحتلال مخططاً استيطانياً جديداً يُعرف باسم ‘حي شامي’. هذا المشروع الذي أُودع في أواخر مارس 2026، يستهدف تحويل نحو 170 دونماً من أراضي بلدة أبو ديس من طابعها الزراعي والرعوي إلى حي سكني حضري مكتظ، تمهيداً لنقل سكان التجمعات البدوية إليه قسراً وتفكيك بنيتهم الاجتماعية.
ويهدف المخطط الإسرائيلي إلى فرض كثافة عمرانية تصل إلى 12 وحدة سكنية لكل دونم، مع بناء عمارات تصل ارتفاعاتها إلى ستة طوابق. وتؤكد مصادر محلية أن هذا النمط العمراني لا يتناسب مطلقاً مع طبيعة حياة البدو القائمة على الرعي والمساحات المفتوحة، واصفين الوحدات المقترحة بأنها ‘صناديق إسمنتية’ تهدف لقتل هويتهم الثقافية والاقتصادية.
ويرتبط مشروع ‘حي شامي’ ارتباطاً عضويًا بالمخطط الاستيطاني الأكبر المعروف بـ (E1)، والذي يسعى الاحتلال من خلاله إلى ربط مستعمرة ‘معاليه أدوميم’ بمدينة القدس. هذا الربط الجغرافي سيؤدي عملياً إلى فصل وسط وشمال الضفة الغربية عن جنوبها، مما يقوض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، ويجعل من الخان الأحمر حجر العثرة الأخير أمام هذا المشروع.
وفي سياق التصعيد السياسي، أصدر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قراراً في مايو الجاري يقضي باقتلاع 26 تجمعاً بدوياً يقطنها نحو 4856 فلسطينياً. ويشمل القرار نقل هؤلاء السكان قسراً إلى مناطق محددة في العيزرية أو النويعمة قرب أريحا، في حملة تطهير عرقي ممنهجة تستهدف السيطرة الكاملة على بادية القدس الشرقية وتوسيع النفوذ الاستيطاني.
وسط هذا الحصار، تبرز قصص الصمود اليومي التي تقودها النساء والشباب في الخان الأحمر للحفاظ على البقاء. نسرين جهالين، شابة جامعية من القرية، حولت منزلها المتواضع إلى صف دراسي لتقديم دروس مجانية للأطفال، في محاولة لتعويض النقص الحاد في الخدمات التعليمية والضغوط النفسية التي يفرضها الاحتلال والمستوطنون على الجيل الناشئ في المنطقة.
وتعد ‘مدرسة الإطارات’ التي شُيدت عام 2009 من الطين ودواليب السيارات رمزاً للتحدي الفلسطيني في وجه قرارات الهدم المستمرة. ويراقب اليوم نحو 170 طالباً في هذه المدرسة الأفق بحذر، خشية وصول جرافات الاحتلال التي تهدد بتحويل صرحهم التعليمي الوحيد إلى ركام، ضمن سياسة التجهيل والتهجير التي تتبعها الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال.
ويصف الأهالي الواقع المعيشي في الخان الأحمر بأنه ‘موت سريري’، حيث تفتقر المنطقة لأدنى الخدمات الصحية والأساسية. فالعيادة الصحية الوحيدة تفتقر للأدوية والمعدات، ولا يزورها الطبيب سوى مرتين أسبوعياً، مما يجعل حالات الطوارئ والولادة مغامرات محفوفة بالمخاطر، خاصة في ظل الحواجز العسكرية واعتداءات المستوطنين المتكررة.
ومنذ عام 2018، صنف الاحتلال منطقة الخان الأحمر كمنطقة عسكرية مغلقة، مما ضيق الخناق على حركة السكان ومواشيهم التي تمثل مصدر رزقهم الوحيد. وتتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد هجمات مجموعات ‘شبيبة التلال’ الاستيطانية، الذين يمارسون إرهاباً يومياً يشمل سلب الأغنام وإطلاق النار والاعتداء الجسدي على الرعاة تحت حماية جنود الاحتلال.
وأمام هذا التهديد الوجودي، استحدثت التجمعات البدوية الستة والعشرون نظام تضامن داخلياً وشبكة إنذار مبكر لتحذير بعضهم البعض من أي تحركات مريبة للاحتلال أو المستوطنين. هذا التكاتف الاجتماعي بات يمثل صمام الأمان الوحيد للسكان الذين يشعرون بخذلان المؤسسات الدولية التي يصفون تحركاتها بأنها ‘صورية’ ولا ترقى لمستوى الجريمة المرتكبة بحقهم.
ويؤكد الحاج محمد إبراهيم، أحد سكان المنطقة الذين هُجر أجدادهم من النقب عام 1948 أن فكرة الرحيل مجدداً ليست واردة في قاموس الأهالي. ويقول إن البقاء تحت الشمس وفي العراء أهون عليهم من الانتقال إلى ‘مقابر إسمنتية’ بجوار مكبات النفايات، مشدداً على أن الخان الأحمر هو خط الدفاع الأول عن عروبة القدس.
وتشير التقارير الفنية إلى أن أهالي الخان قدموا عبر مهندسين مختصين أكثر من 17 مخططاً تنظيمياً لتطوير قريتهم في أماكنها الحالية منذ عام 2013. إلا أن سلطات الاحتلال رفضت جميع هذه المخططات دون نقاش، مما يثبت أن الهدف الأساسي ليس ‘التطوير الحضري’ كما يدعي الاحتلال، بل السيطرة على الأرض وإفراغها من أصحابها الأصليين.
إن المعركة في الخان الأحمر تتجاوز حدود السكن، فهي صراع على الرواية والتاريخ والهوية البدوية التي يحاول الاحتلال محوها. ويرى السكان أن تحويلهم من حياة البادية إلى نمط الحياة الحضرية القسري هو محاولة لقتل روح المقاومة والصمود لديهم، وتحويلهم إلى عمالة رخيصة في المستوطنات بعد فقدانهم لثروتهم الحيوانية وأراضيهم الرعوية.
وفي ختام رسالتهم للعالم، يشدد أهالي الخان على أن إرادة البقاء أقوى من القرارات السياسية المكتوبة على الورق. ويؤكدون أن سقوط الخان الأحمر يعني بالضرورة سقوط البوابة الشرقية للقدس وتصفية القضية الفلسطينية في مهدها، وهو ما يدفعهم للتمسك بكل حجر وخيمة في وجه آلة الحرب والتهجير الإسرائيلية.
عن صحيفة القدس
المكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان منظمة التحرير الفلسطينية