بقلم: عوديد شالوم
حرر حسن التعمري فم السمكة الصغيرة من صنارة صيده وألقى بها في دلو من الماء، حيث انضمت إلى مجموعة من خمس أو ست سمكات تم اصطيادها سابقاً. قال بنبرة اعتذارية: “ماذا عساي أن أفعل؟”. يسكن حسن على مقربة من هنا، في حي بجنوب بيت لحم. حتى السابع من تشرين الأول 2023 كان يعمل سائق حافلة في شركة بالقدس الشرقية، لكنه مُنع – شأنه شأن بقية الفلسطينيين العاملين في إسرائيل – من دخولها والعمل فيها منذ اندلاع الحرب. ومنذ ذلك الحين يكافح لتأمين لقمة عيشه، وغالباً ما يكون عاطلاً عن العمل، “مثل باقي الشباب هنا”.
وصلنا قبيل العاشرة صباحاً إلى البركة الحجرية الضخمة التي تجذب الفلسطينيين العاطلين عن العمل من هواة الصيد، رغم أنها شبه خالية من الماء. دخلنا بيت لحم من المدخل الجنوبي على طريق الخليل – القدس، ثم انعطفنا يميناً إلى شارع برك سليمان. بعد أقل من مئة متر تقع أول بركة من ثلاث برك. وهي ممتلئة نسبياً بالماء. أما الثانية، حيث يلقي التعمري صنارته، فهي، كما ذكرنا، شبه خالية. أما الثالثة فهي جافة تماماً، لا قطرة ماء فيها.
تحيط بها أشجار الصنوبر الإبري والسرو، ولا يسع المرء إلا أن يُبهر بروعة هندسة المياه التي بناها هيرودس هنا خلال فترة “الهيكل الثاني”. مشروع ضخم لنقل المياه من مياه الأمطار والينابيع في المنطقة، ويشمل، من بين أمور أخرى، قناة رئيسة وثلاثة أحواض تخزين مبنية على منحدر غير سحيق، واحداً فوق الآخر.
سُمّي الشارع على اسم الأحواض، مع أن الملك سليمان لم يكن له أي صلة بها، وذلك ببساطة لأنها بُنيت بعد وفاته بمئات السنين. ومن المعروف أيضاً أن الملك سليمان كان مُحباً للماء، وكان يستمتع بالسباحة في الينابيع والأحواض. بعد مئات السنين على وفاته، كتب يوسيفوس فلافيوس أن الملك سليمان، وفقاً للأسطورة، كان يتجول في منطقة عين إيتام (جنوب شرقي القدس، المنطقة التي بُنيت فيها البرك)، في حدائق وبساتين ومياه، في منطقة غنية بالينابيع.
وهكذا امتزجت القصص التوراتية بالأساطير التاريخية، وولدت تسمية هذا المكان. بنى العثمانيون منزلاً حجرياً بجوار البرك، وركبوا فيه محركات ومضخات، ثم أضاف البريطانيون لاحقاً أنابيب ومضخات فولاذية كبيرة لتنقية المياه لتصبح صالحة للشرب أيضاً، وليس فقط للأغراض الزراعية. بعد البريطانيين، جاء الأردنيون، ثم حلّ الإسرائيليون محلهم، إلى أن رُسمت خرائط في تسعينيات القرن الماضي، كجزء من اتفاقيات أوسلو، قسمت المنطقة، وتقرر أن تُضم برك سليمان إلى المنطقة (أ)، تحت المسؤولية الكاملة للسلطة الفلسطينية.
وماذا عن الأسماك؟ سألنا التعمري: كيف وصلت الأسماك إلى هنا؟ فأجاب: “أوه، أحضرها قبل بضع سنوات رجال من القدس الشرقية يحبون المجيء إلى هنا إلى البرك. أحضروها من بحيرة طبريا. ألا تعرفونها؟ إنها أسماك صغيرة. أُعيد معظمها إلى الماء. بين الحين والآخر أحضر بعضها إلى المنزل وأضعها في حوض السمك في غرفة المعيشة”.
مشروع أمر التنقيب الأثري
قبل أقل من عام، بدأ المجلس المحلي لإفرات حملةً شعبيةً تهدف إلى “تصحيح تحريف تاريخي” ونقل جيل البرك من المنطقة الفلسطينية (أ) إلى المنطقة (ج)، حيث تتمتع إسرائيل بالمسؤولية الأمنية الكاملة والسيطرة التامة. تُهيمن إفرات، من التلال التي بُنيت عليها، على معظم المنطقة، وتطل منازل حي جفعات هاداجان مباشرةً على البرك الثلاث. ينحدر طريقٌ جديدٌ مُعبّدٌ حديثاً من منطقة المستوطنة باتجاه البرك، ويحيط به حاجزٌ حديديٌ أصفر اللون، يمنع الدخول إلى البلدة.
بدأ شبانٌ إسرائيليون بزيارة البرك أيام الجمعة، برفقة قواتٍ عسكريةٍ كبيرة، وفي الأشهر الأخيرة، شهد الموقع أيضاً موكباً من السياسيين الذين يزورونه في جولةٍ مع رئيس مجلس إفرات، دوبي شيفلر. وصل وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، برفقة الوزيرة أوريت ستروك، كما قام أيضاً الوزير إلكين بزيارةٍ للمكان. وقفت نائبة الوزير، شاران هاسكل، على حافة البركة، وأشارت إلى الماء العكر، وصاحت في الكاميرا: “بسبب خطأ كتابي، على بُعد مليمتر واحد، تبقى ضمن المنطقة (أ)”. لم يكتفِ عضو الكنيست تسفي سوكوت بالقول: إن المكان يجب أن يُعاد “إلى أيدينا”، بل قفز أيضاً في الماء بملابسه. ربما في البركة العلوية الأكثر امتلاءً.
تُعدّ حملة إعادة رسم الخارطة في منطقة برك سليمان ونقلها من المنطقة الفلسطينية (أ) إلى المنطقة (ج) جزءاً من التحرك الكبير لإلغاء اتفاقيات أوسلو، والذي تقوده في الكنيست جماعات الصهيونية الدينية و”عوتسما يهوديت”. لا يُدرك معظم الرأي العام الإسرائيلي مدى تغيّر الواقع في جميع أنحاء “يهودا” و”السامرة” في ظل الحكومة الحالية. أدى النطاق غير المسبوق للبناء، والموافقة على إنشاء أكثر من مئة مستوطنة جديدة، بالإضافة إلى عشرات المزارع والبؤر الاستيطانية التي انتشرت على التلال في المنطقة، إلى طرد عشرات المجتمعات الرعوية بالقوة وبشكل مستمر، وإعادة بناء المستوطنات التي تم إخلاؤها في شمال “السامرة” خلال عملية الانسحاب – كل ذلك أعاد تشكيل الضفة الغربية.
تقلصت مساحة المعيشة الفلسطينية، وأُغلقت أجزاء كبيرة من المراعي والمناطق الزراعية أمام دخول الفلسطينيين، كما توجد 925 حاجزاً وساترا ترابياً عند مداخل ومخارج القرى والمدن الفلسطينية تحرم السكان من سبل العيش. كل هذا يدفع شريحة كبيرة من السكان إلى براثن الفقر والجوع. تم احتلال مئات الكيلومترات من الطرق والمسارات الجديدة وتعبيدها، واستُثمرت مبالغ طائلة في البنية التحتية الأمنية والكهربائية والمائية، كما تم تسخير علم الآثار في سبيل ترسيخ وتوسيع السيطرة على الأراضي. خصصت الحكومة ربع مليار شيكل لوزارة التراث، برئاسة الوزير، عميحاي إلياهو، من حزب “عوتسما يهوديت”، لترميم وتطوير المواقع التاريخية في الضفة الغربية، بينما تُجبر الفلسطينيين على مغادرة تلك المناطق عبر مصادرة الأراضي الخاصة، وبناء الأسوار، وزيادة التواجد العسكري الإسرائيلي، وهو تواجد يُؤجج الصراعات ويُؤكد للفلسطينيين أنه لم يعد لهم أي وجود هناك.
إلى أين تريدوننا أن نذهب؟
بعد ظهر الجمعة الماضي وصلت عدة سيارات جيب عسكرية إلى برك سليمان، وقامت أولاً بإغلاق الطريق المؤدي إلى الموقع من الطريق الرئيس. يقول الناشط الاجتماعي محمود جعبري، أحد سكان قرية إرطاس الواقعة على بُعد أقل من كيلومتر واحد من البرك: “ليس لدينا بحر، هذا بحرنا”. يأتي الناس إلى هذا المكان من جميع أنحاء منطقة بيت لحم، حتى من القدس وضواحيها. تعلمت السباحة في أول بركة هناك عندما كانت ممتلئة بالماء. صحيح أن الماء ليس كثيراً في البرك، لكن هذا ما لدينا، هذا شاطئنا. يأتي الناس للسباحة، حتى أنهم يأتون بقوارب مطاطية صغيرة للتجديف قليلاً.
منذ اتفاقيات أوسلو لم يأتِ إلى هذا المكان سوى الفلسطينيين. فجأة، في الأشهر الأخيرة بدأ المستوطنون والوزراء وأعضاء الكنيست بالقدوم، وقبل وصولهم يأتي الجيش ويُخرج الفلسطينيين من المكان. الجمعة الماضي، جاء الجيش وحده. قالوا للناس: “أي شخص يدخل الماء أو يقيم نزهة هنا، سنعتقله”. الآن تفهمون، هذه المنطقة (أ)، وهي فلسطينية بالكامل. لم يخرج الناس من الماء، فبدأ الجنود بإطلاق الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت. تسببت القنابل التي ألقوها هنا باندلاع حريق في حقل شائك، واضطررنا نحن السكان لإخماده. إلى أين تريدنا إسرائيل أن نذهب؟
كما ذكرنا، هذه ليست قصة برك سليمان وحدها. في موقع سبسطية الأثري شمال “السامرة”، صودر حوالى 1800 دونم، معظمها أراضٍ خاصة مملوكة لسكان فلسطينيين محليين، بهدف تطوير الموقع. تستثمر وزارة التراث، برئاسة الوزير إلياهو، 32 مليون شيكل في تطوير الموقع وتوسيعه، ويُخصص جزء من هذا المبلغ لبناء سياج لفصل الموقع عن قرية سبسطية المجاورة، التي يعتمد سكانها على السياحة فيها منذ عقود.
في مكان آخر، في موقع أثري قرب فصائل في وادي الأردن، تستثمر وزارة التراث ثلاثة ملايين شيكل في ترميم بركة حجرية قديمة وقنوات المياه المؤدية إليها. وقد أمر الوزير سموتريتش شخصياً بتحويل الأموال فوراً. ليس ما يشغل باله هو محنة المستوطنات على الحدود الشمالية وإعادة تأهيلها العاجلة، بل الأهم في الوقت الراهن ترميم البركة الحجرية في فصائل.
القصة في فصائل جديدة، إذ بدأت في مطلع حزيران، لكنها مؤشر إلى الوضع السائد في الأراضي الفلسطينية. في البداية، وصل المستوطنون إلى الموقع بمبادرة شخصية، وبدؤوا بتنظيف المنطقة المحيطة بالموقع والبركة الحجرية. ولتعبئة البركة، قاموا بتحويل خطوط المياه المخصصة للمزارعين في المنطقة المجاورة. بعد امتلائها، نُشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ مئات المستحمين بالتوافد، خاصة أيام الجمعة. حتى عضو الكنيست سوكوت جاء للاستحمام، برفقة الوزير إلياهو. وهنا أيضاً، تم تصويرهما وهما يقفزان في الماء بملابسهما.
“الأرض لنا وحدنا. ارحلوا من هنا!”
سارع المستوطنون إلى تسمية الموقع في فصائل “برك هيرودس”. وقد تم تنظيف الموقع وضخ المياه إلى الخزان القديم في تحدٍّ لموقف أحد موظفي قسم الآثار في الإدارة المدنية الذي حاول منع العمل في الموقع. وبالطبع، لم يمنع ذلك ملء البركة، ولا الدعم الذي تلقوه من وزير التراث، ولا التحويل “الفوري” للميزانية من وزير المالية.
وكما هو الحال في المنطقة الواقعة جنوب بيت لحم، تضم منطقة فصائل في الضفة الغربية نظاماً مائياً أُنشئ خلال العصر الهيرودي، ويشمل بركاً لتخزين المياه. ومع ذلك، يقول عالم الآثار، ألون أراد، من منظمة “عيمق شافيه” المعنية بمكانة علم الآثار في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني: إن البركة التي ملأها المستوطنون بُنيت على الأرجح في وقت لاحق.
يوضح قائلاً: “توجد برك في المنطقة بُنيت في الفترة ما بين العصر الحديدي، حوالى 3000 عام قبل الميلاد، وبداية العصر الإسلامي، في القرن السابع الميلادي. إنها فترة زمنية طويلة جداً، ولا يوجد تاريخ دقيق لها. البركة التي ملأها المستوطنون لم تُنقّب أو تُدرس بشكل منهجي، لذا فإن نسبتها إلى هيرودس خاطئة تماماً، ومُختلقة بالكامل. يريد المستوطنون تسميتها “بركة هيرودس” وليس “بركة فصائل”، لإضفاء قيمة يهودية على هذا المكان. هيرودس هو “الهيكل الثاني”، وكان هيرودس مؤيداً لليهود. يُضفي المستوطنون قيمة يهودية على المواقع الأثرية لجذب استثمارات حكومية تُنشئ مركزاً سياحياً في مكان يُساعد على توسيع النفوذ في المنطقة.”
ويضيف: “يوجد حوالى 6000 موقع أثري في الضفة الغربية، ومعظمها لا يرتبط بالتراث اليهودي. منطقتنا لها تاريخ يمتد لمليون ونصف المليون سنة من الوجود البشري، ما يعني أن العديد من الشعوب والأمم والجماعات والقبائل والأفراد قد مروا بها”. إذاً، في ظلّ هذا التاريخ الطويل للوجود البشري في المنطقة، لا يُمثّل التاريخ اليهودي سوى فصلٍ صغير. تسعى هذه الحكومة جاهدةً لخلق سردية يهودية في المواقع الأثرية، بهدف طمس الحدود بين المناطق (أ) و(ب) و(ج). لا تُعير هذه الحكومة أيّ اهتمامٍ بالحفاظ على الآثار. فمن يُريد الحفاظ على الآثار لن يملأ بركة فصائل بالماء قبل أن يُجري عالم آثار دراسةً وتقييماً هندسياً مُحترفاً لاختبار مدى مقاومة البركة للماء. لقد قاموا هناك بعمليةٍ مُختَلفةٍ تماماً لتحويل مسار المياه.
“الأمر نفسه في برك سليمان. هناك، بات الأمر يتجاوز مجرد الاهتمام بالآثار. هناك، باتت المنطقة (أ) هي المُهيمنة. وهناك أيضاً، يُحاولون خلق سردية يهودية للسيطرة على المنطقة، سردية تُصوّر الضفة الغربية على أنها ذات تراثٍ يهوديٍّ فقط. هذه السردية تمحو كل تاريخٍ غير يهودي”.
لولا مأساوية الأمر لكان من الممكن السخرية منه. سمعنا أيضاً عن تشويه التاريخ وطمسه من الأخت روزا في دير هورتوس كونكلوسوس، الذي يعني “الحديقة المسوّرة” باللاتينية. بُني الدير في أواخر القرن التاسع عشر على مشارف قرية أرطاس، غير بعيد عن برك سليمان. إنه بناء معماري مهيب يقع في منطقة خلابة الجمال، ويؤدي إليه جسر حجري بديع يمتد فوق وادٍ أخضر. وصلنا إلى الدير بعد زيارة البرك. يمتد الدير على مساحة 260 دونماً من الأرض التي تنمو فيها أشجار الزيتون واللوز. ودون الخوض في التفاصيل، نكتفي بالإشارة إلى أن المنطقة بأكملها أصبحت في السنوات الأخيرة محاطة بمزارع وبؤر استيطانية تتوسع بشكل متزايد على حساب الأراضي الفلسطينية.
تقول الأخت روزا: إنها لا تخوض في السياسة ولا ترغب في الحديث عنها، بل تريد فقط أن تُطلعنا على حقيقة ما يجري هنا. وتضيف: “لقد استولوا على أرض كانت تابعة للكنيسة. لم يشتروها”. لم نبع أرضنا لأحد، بل استولوا عليها ذات يوم وأحاطوها بسياجٍ منعنا من دخولها. صعدنا إلى حيث بُنيت المزرعة التي استولت على أرضنا. صعدنا برفقة متطوعين يأتون كل عام من الكنيسة في إيطاليا لمساعدتنا في الحصاد، فجاء مسلحون وطردونا. قالوا لنا: “هذه ليست أرضكم، ولم تكن لكم قط. هذه الأرض لنا، لطالما كانت لنا، الله وهبنا إياها”. أخبرهم المتطوعون أننا نحن المسيحيين نعيش هنا أيضاً، ولنا أرض هنا. فأجابوهم: “لا، الأرض لنا وحدنا. اخرجوا من هنا”. هذا ادعاء باطل، فالتاريخ لا يُمكن تغييره أو عكسه.
عن “يديعوت”
المكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان منظمة التحرير الفلسطينية