القدس- تقرير معا- في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تنفذ حكومة الاحتلال الإسرائيلي مخططاً صامتاً وممنهجاً في الضفة الغربية المحتلة، عبر تقطيع أوصال المدن والقرى بالحواجز العسكرية، وتصعيد غير مسبوق في البناء الاستيطاني، وشن حملات اعتقال يومية واسعة، وصولاً إلى خنق الاقتصاد الوطني عبر قرصنة أموال المقاصة، تسعى إسرائيل إلى تدمير مقومات الحياة الفلسطينية وإضعاف السلطة الوطنية وصولاً إلى شلها بالكامل.

هندسة العزل: الحواجز والبوابات الحديدية
عمدت قوات الاحتلال إلى تحويل الضفة الغربية إلى “كانتونات” معزولة تماماً عن بعضها البعض، متخذة من ذريعة الأمن غطاءً لتطبيق نظام فصل عنصري يخنق حرية الحركة.
وفقاً لمسح أجرته وكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أوائل عام 2025، ارتفع عدد العوائق المادية بشكل كبير ليبلغ 849 عائقاً بين حاجز عسكري، وبوابة حديدية، وسواتر ترابية، ومكعبات إسمنتية.

وقد امتدت سياسة الإغلاق لتشمل شل قدرة الفلسطينيين على الوصول للخدمات الأساسية.
فقد أظهرت البيانات أن ثلث التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية باتت تضطر لعبور ثلاثة حواجز على الأقل للوصول إلى أقرب مستشفى.
وتزايدت أوقات الانتظار بمعدل يتجاوز 50% مقارنة بما قبل الحرب، ليرتفع متوسط التأخير من أقل من 10 دقائق إلى نحو 15 دقيقة للحاجز الواحد، وقد يمتد لساعات في كثير من الأحيان.
تشير “أوتشا” إلى أن الفلسطينيين يخسرون يومياً ما يعادل 30 عاماً من الوقت المهدور على الحواجز الإسرائيلية.

ولا تتوقف المعاناة عند الحواجز الثابتة؛ بل تزايدت الحواجز “الطيارة” (المفاجئة)، وعمد الاحتلال إلى إغلاق مداخل البلدات بالسواتر الترابية، كما حدث في بلدة سنجل شمال رام الله، حيث أُغلقت خمسة مداخل بالكامل تطل على شارع 60، وأُبقي على مدخل واحد تتحكم به قوات الاحتلال.
التوسع الاستيطاني: عام الحسم وضم الأراضي
استغلت حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية الانشغال العالمي بالحرب لتنفيذ أوسع عملية سطو على الأراضي الفلسطينية.
وقد وصف تقرير صادر عن حركة “السلام الآن” الإسرائيلية عام 2025 بأنه شهد “أكبر طفرة في التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية”.

وكشفت المعطيات عن وتيرة مرعبة لمصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، تضمنت:
* تأسيس بؤر جديدة: تم إقامة 185 بؤرة استيطانية جديدة.
* شرعنة المستوطنات: جرى تحويل 102 بؤرة وحي استيطاني إلى مستوطنات معترف بها إسرائيلياً ومستقلة.
* الطفرة العمرانية ومصادرة الأراضي: تم الدفع ببناء أكثر من 40 ألف وحدة استيطانية، وشق 223 كيلومتراً من الطرق الالتفافية الجديدة، والإعلان عن حوالي 26 ألف دونم كـ “أراضي دولة”.
* التهجير القسري: أدى عنف المستوطنين الممنهج والمدعوم من جيش الاحتلال إلى تهجير 118 تجمعاً رعوياً فلسطينياً بالكامل، وسيطرة المستوطنين على أكثر من 11 ألف دونم مخصصة للزراعة.

حملات الاعتقال الممنهجة: سجون تكتظ بآلاف الأسرى
بالتوازي مع الحصار الجغرافي والاستيطاني، صعدت قوات الاحتلال من سياسة الاعتقالات اليومية التي طالت كافة شرائح المجتمع الفلسطيني.
وتشير بيانات نادي الأسير الفلسطيني ومؤسسات الأسرى إلى أن حصيلة حملات الاعتقال في الضفة الغربية وحدها منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى أيار/ مايو 2025 بلغت أكثر من 17,000 حالة اعتقال.

واكتظت السجون بآلاف الفلسطينيين في ظروف قاهرة، وبرز الاستخدام المفرط لسياسة “الاعتقال الإداري” التعسفي دون تهمة أو محاكمة.
وسجلت الإحصائيات وجود أكثر من 3,500 معتقل إداري، بالإضافة إلى مئات الأطفال وعشرات الأسيرات.
وقد وثقت مؤسسات حقوقية استشهاد 73 أسيراً داخل سجون الاحتلال بين تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحزيران/ يونيو 2025 جراء التعذيب والإهمال الطبي المتعمد، ليرتفع العدد الإجمالي للشهداء الأسرى بشكل غير مسبوق في تاريخ الحركة الأسيرة.

حرب الجرافات وإعدام المخيمات: جنين وطولكرم ونور شمس كـ”مدن أشباح”
لم تكتفِ إسرائيل بخنق المدن، بل وجهت آلتها العسكرية التدميرية لاجتثاث المخيمات في شمال الضفة الغربية وتدمير بنيتها التحتية بالكامل.
ومنذ 21 يناير/ كانون الثاني 2024، بدأ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية في مخيم جنين أطلق عليها اسم “الأسوار الحديدية”، والتي توسعت لاحقاً لتشمل مخيمي طولكرم ونور شمس.
وبعد مرور أكثر من 200 يوم على هذه العمليات المستمرة، تحولت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس شمال الضفة الغربية المحتلة إلى ما يشبه “مدن الأشباح”.

وقد رصد التتقرير حجم هذا الدمار بالأرقام الموثقة:
* مخيم جنين: تسبب عدوان الاحتلال بنزوح نحو 22 ألف مواطن، ومُنعوا من العودة إلى منازلهم، بالتزامن مع دمار هائل في الشوارع والبنية التحتية.
* مخيم طولكرم: أظهرت تحليلات الأقمار الصناعية أن الاحتلال هدم 335 منزلاً، بإجمالي مساحة هدم قاربت 32,451 متراً مربعاً (حوالي 32.4 دونماً) [cite: 1.2.4]. ولإحكام السيطرة العسكرية، وسّع الاحتلال وشق 12 طريقاً تغطي كافة اتجاهات المخيم، ليرتفع متوسط عرض الطرق من 4.3 أمتار إلى نحو 16.7 متراً على حساب منازل المواطنين المهدمة.
* مخيم نور شمس: بلغ إجمالي المنازل المهدمة 134 منزلاً، بمساحة مهدمة تزيد عن 22 ألف متر مربع [cite: 1.2.4]. وفي سياق هذا التدمير، أقر الاحتلال في مايو/ أيار 2025 مخططاً لهدم 106 مبانٍ في مخيمي طولكرم ونور شمس بذريعة فتح طرق وتغيير معالم المنطقة.

وقد أكدت وكالة الأونروا أن قوات الاحتلال الإسرائيلية تواصل هدم المنازل في سياق نمط جديد يثير القلق.
وأكد مسؤولون محليون في هذه المخيمات أن العمليات الإسرائيلية أعدمت المخيمات من كافة النواحي ولم تعد فيها بيوت تصلح للسكن، في سياق مخطط سياسي واضح يستهدف تصفية قضية اللاجئين وتهجيرهم بشكل ممنهج.

التدمير الاقتصادي وقرصنة المقاصة: شل السلطة الفلسطينية
لعل الجبهة الأكثر تأثيراً على البنية المؤسسية الفلسطينية هي الجبهة الاقتصادية، حيث تتعرض السلطة الفلسطينية لخنق مالي متعمد تقوده وزارة المالية الإسرائيلية، يتمثل في تعليق وحجز عائدات الضرائب (أموال المقاصة) التي تشكل العصب الرئيسي لموازنة السلطة.
ووفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تعرض الاقتصاد في الضفة الغربية لانكماش حاد بلغت نسبته 16% خلال عام 2024.

وقد ترافق هذا الانكماش مع منع آلاف العمال الفلسطينيين من التوجه لأماكن عملهم داخل الخط الأخضر، ما أدى إلى قفزة مخيفة في معدلات البطالة التي تجاوزت حاجز الـ 42% في عام 2024، مقارنة بـ 31% في عام 2023.
وقد أدى هذا التدمير الممنهج، مصحوباً بالتراجع الحاد في المساعدات الخارجية، إلى عجز السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب موظفيها كاملة وتوقف شبه تام للمشاريع التطويرية.
هذا الواقع يخدم بشكل مباشر استراتيجية حكومة الاحتلال المتمثلة في تقويض مكانة السلطة الفلسطينية اقتصادياً وأمنياً، وإبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة استنزاف يومي، كجزء من أهداف الحرب الشاملة التي تتجاوز حدود القطاع لتشمل إعادة صياغة الواقع في الضفة الغربية وفرض وقائع لا رجعة فيها.
